فخر الدين الرازي
18
تفسير الرازي
واعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضاً على كمال قدرته وعظمته ، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم ، فقال : * ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) * واختلفوا في الصعقة ، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام * ( وخر موسى صعقاً ) * ( الأعراف : 143 ) مع أنه لم يمت ، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد ، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد ، وهو المذكور في سورة النمل في قوله * ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ) * ( النمل : 87 ) وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين . والقول الثاني : أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت ، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها : نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية : نفخة الصعق والثالثة : نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة . وأما قوله * ( إلا من شاء الله ) * ففيه وجوه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : عند نفخة الصعق يموت من في السماوات ومن في الأرض إلا جبريل ومكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل . والقول الثاني : أنهم هم الشهداء لقوله تعالى : * ( بل أحياء عند ربهم يرزقون ) * ( آل عمران : 169 ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش " . القول الثالث : قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانياً . القول الرابع : أنهم الحور العين وسكن العرش والكرسي . والقول الخامس : قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم ، وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم . ثم قال تعالى : * ( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) * وفيه أبحاث : الأول : لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى ، لأن لفظ * ( ثم ) * يفيد التراخي ، قال الحسن رحمه الله القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن بينهما أربعين " ولا أدري أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة . الثاني : قوله * ( أخرى ) * تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى ، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة . الثالث : قوله * ( فإذا هم قيام ) * يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة